عبد الكريم الخطيب

1103

التفسير القرآنى للقرآن

ثم كانت حصيلة هذه النّذر ، هؤلاء المؤمنين الذين دخلوا في دين اللّه ، واستجابوا لرسول اللّه . . فكان أن دعاهم اللّه سبحانه وتعالى إليه ، وخصّهم بخطابه ، ورفدهم بوصاياه ، ليثبتوا على الإيمان ، وليعملوا على طريق الإيمان ، وليغرسوا في مغارسه . فقال سبحانه ، مخاطبا عباده المؤمنين : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا . . ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » ، فليس الإيمان باللّه مجرد كلمة ينطق بها اللسان ، وإنما الإيمان : قول ، وعمل ، إقرار باللسان ، واعتقاد في القلب ، وعمل بالجوارح . . فالدعوة إلى الركوع والسجود - وهما من أركان الصلاة - دعوة إلى الصلاة ، وأمر بإقامتها كاملة ، وأدائها على وجهها ، وما تقضى به من ولاء وخشوع للّه ربّ العالمين : « ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا » . . فالركوع والسجود ليسا مجرد حركتين من حركات الجسد ، وإنما هما - قبل كل شئ - خضوع بالقلب ، وخشوع بالنفس ، وتسربل بحال من الرهبة والخشية للّه ، بحيث يجد الإنسان لهذه الرهبة والخشية ما يندكّ به بناؤه الجسدي ، فيركع تحت وطأة هذا الحمل الثقيل . ثم لا يلبث أن يهوى ساجدا حتى يضع جبهته على الأرض . . وهنا يجد الرضا من ربّه ، والكرامة والتكريم من سيده . . فيدعوه إلى أن يرفع وجهه عن هذا التراب الذي لصق به . . وهكذا ، يظل المصلّى بين يدي اللّه ، في ركوع وسجود ، وفي خفض ورفع ، حتى يختم صلاته ، وهو متمكن على هذه الأرض ، مسؤول عليها استيلاء ذي السلطان على سلطانه ! وقوله تعالى : « وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ » هو أمر بالعبادة مطلقا ، فيما فرض اللّه من عبادات غير الصلاة ، كالصوم ، والزكاة ، والحج ، وفيما أمر به من ذكره